الخطيب الشربيني
5
مغني المحتاج
ويسمى العضرط بفتح العين المهملة ، فمات به ولو بلا تورم ، ( فعمد ) ذلك الغرز لخطر المواضع وشدة تأثيره . ( وكذا ) لو غرز إبرة ( بغيره ) أي المقتل كفخذ وألية ( إن تورم وتألم ) أي اجتمع الأمران واستمرا ( حتى مات ) فعمد لحصول الهلاك به . وظاهر هذا أنه لا قصاص في الألم بلا ورم . وليس مرادا بل الأصح كما صححه المصنف في شرح الوسيط الوجوب ، وأما الورم بلا ألم فقط لا يتصور ، ولهذا قال الرافعي : لو لم يتعرض له الغزالي لم يضر ، لأن الورم لا يخلو عن الألم . فإن لم يظهر للغرز ( أثر ) بأن لم يشتد الألم ، وليس المراد بأن لا يوجد ألم أصلا ، فإنه لا بد من ألم ما ، ( ومات في الحال فشبه عمد ) في الأصح لأنه لا يقتل غالبا ، فأشبه الضرب بالسوط الخفيف . ( وقيل ) هو ( عمد ) لأن في البدن مقاتل خفية وموته حالا يشعر بإصابة بعضها . ( وقيل لا شئ ) أي لا قصاص ولا دية إحالة للموت على سبب آخر ، أما إذا تأخر الموت عن الغرز فلا ضمان قطعا كما قاله الماوردي وغيره . تنبيه : ما ذكره من التفصيل بين المقتل وغيره إنما هو في حق المعتدل ، أما إذا غرز في بدن صغير أو شيخ هرم أو نضو الخلفة في أي موضع كان فإنه يجب القصاص كما نقلاه عن الرقم للعبادي وأقراه . ( ولو غرز ) ها ( فيما لا يؤلم كجلدة عقب ) ولم يبالغ في إدخالها فمات ( فلا شئ ) في غرزها ( بحال ) أي سواء أمات في الحال أم بعده للعلم بأنه لم يمت منه ، وإنما هو موافقة قدر ، كما ألقى عليه خرقة أو ضربه بقلم فمات . أما إذا بالغ فيجب القود قطعا كما قاله الشيخ أبو حامد والماوردي والقاضي أبو الطيب . ( ولو حبسه ومنعه الطعام والشراب ) أو أحدهما ( و ) منعه أيضا ( الطلب ) لذلك ( حتى مات ) بسبب المنع ، ( فإن مضت ) عليه ( مدة يموت مثله ) أي المحبوس ( فيها غالبا جوعا ) أو عطشا ، فعمد ) لظهور قصد الاهلاك به . وتختلف المدة باختلاف حال المحبوس قوة وضعفا ، والزمان حر أو برد لأن فقد الماء في الحر ليس كفقده في البرد . واحترز بقوله : منعه عما إذا كان ذلك عنده وأمكنه تناوله فلم يتناوله خوفا أو حزنا ، أو أمكنه طلبه ولو بالسؤال فلم يفعل ، أو منعه الشراب فترك الاكل خوف العطش ، أو انهدم السقف عليه ، أو أمكنه الهرب كما قاله الفوراني من غير مخاطرة فمات بذلك ، فلا قصاص ولا دية على حابسه ، لأنه قتل نفسه ، ومنع الدفاء في البرد كمنع الاكل فيما ذكر . ولو قتله بالدخان بأن حبسه في بيت وسد منافذه فاجتمع عليه الدخان فضاق نفسه فمات وجب القود كما قاله المتولي ، وكذا لو منع من افتصد من شد فصاده حتى مات كما أفتى به الغزالي . تنبيه : قوله : حبسه يفهم أنه لو منعه من غير حبس ، كما لو أخذ زاده أو ماءه في مفازة أو عراة فمات جوعا أو عطشا أو بردا أنه لا ضمان ، وهو كذلك ، لأنه لم يحدث فيه صنعا . قال الأذرعي : وقضية هذا التوجيه أنه لو أغلق عليه بيتا وهو جالس فيه حتى مات جوعا لم يضمنه ، وفيه نظر اه . هذه القضية ممنوعة ، لأنه في أخذ الطعام منه متمكن من أخذ شئ بخلافه في الحبس ، بل هذه داخلة في كلام الأصحاب . ثم قال : وهذا في مفازة يمكنه الخروج منها ، أما إذا لم يمكنه ذلك لطولها أو لزمانته ولا طارق في ذلك الوقت فالمتجه وجوب القود كالمحبوس اه . وهو بحث قوي لكنه خلاف المنقول . وهذا كله في الحر ، أما الرقيق فيضمن باليد مطلقا سواء راعاه بالطعام والشراب أم لا كما قالاه . ( وإلا ) بأن لم تمض المدة المذكورة ومات المحبوس ، ( فإن لم يكن به جوع وعطش ) الواو بمعنى أو بدليل إفراد الضمير في قوله ( سابق ) على المنع ( فشبه عمد ) لأنه لا يقتل غالبا . ( وإن كان ) به ( بعض جوع وعطش ) الواو أيضا بمعنى أو ، ( وعلم الحابس الحال ) وكانت مدة حبسه بحيث لو أضيفت لمدة جوعه أو عطشه السابق بلغت المدة القاتلة ( فعمد ) لظهور قصد الاهلاك . أما إذا لم يبلغ مجموع المدتين ذلك فهو كما لو لم يكن به شئ سابق كما قاله ابن النقيب ، وقال : لا بد